الخَطابة والإلقاء في أحفير
أيتها السيدات ، أيها السادة ، وأصحاب الفخامة والسيادة فوق العادة

فكما للكتابة إنشاء فإن للكلام إنشاء آخر، ومن يجيد الأول قد يجيد الثاني وقد لا يجيده ، فالسواد الأعظم من مشاهير الكتاب لم يكونوا خطباء، فالمكتوب ينال بالنظر ويذاق بالفكر، أما المقول فلا يصل إلى القلب إلا إذا مر على الأذن التي لها بدورها إحساس يجب إرضاؤه ، فالشعور الذي يثيره السمع ليس كالذي تولده القراءة ، فالكلمة المسموعة عندنا أقوى أثراً من الكلمة المقروءة لأنها تنبض بالحياة والانفعال وتعبر عن أحاسيس الخطيب

أتحدث هنا عن فن الخطابة والإلقاء في أحفير ، ليس الفن بتعريفه الأكاديمي بل بمفهومه البسيط الذي يعني أنه أعجب الناس أو أثَّر فيهم سواء في المجال الديني أو السياسي أو الاحتفالي
في مجال خطابة الاحتفال لا أحد يُجادل في شخصيتين عبد الجبار الغول والمرحوم ميمون بنعيادة بما كانا يمتلكانه من جهارة الصوت وجمال الهيئة وحُسن النبرة وسلامة الجهاز الكلامي من العيوب ، كانا أثناء احتفالات عيد العرش يخطبان طيلة يوم كامل دون تعثر ولا نحنحة ولا ورقة ، مهما اختلفنا في أهدافهما ومضامين خطاباتهما فلن ينكر أحد منا أن الخطابة كانت موهبتهما ذقنا منها كما ذقنا من الشعر والغناء

على المستوى السياسي لم تعرف الخطابة تقدما بحكم تكميم الأفواه وإخماد أصوات المعارضين وفي هذا النوع من الخطابة لا أحد يُنازع المرحوم مصطفى جبارة ولا أتحدث هنا عن جُرأته في انتقاد المسؤولين في البوق فكثيرون كانوا يفعلون ولكنني أتحدث عن موهبة وفن الخطابة


في مجال الخطابة الدينية التي جعلها الإسلام تُواكب الدعوة الإسلامية وتعالج القضايا التي تتصل بمصالح المسلمين، وجعلها واجبةً في بعض الصلوات كصلاة الجمعة والعيدين فقد كانت تشتمل على أفكار مسطحة ؛ نظراً لضيق صدر السلطة وميل معظم الخطباء الى إيثار السلامة إلى أن جاء عبد الله النهاري و لخضر بوعي والمذبوحي الذين اشتهروا بمحاولة جعل خطبهم وعظاً له صلة بالأحداث المتجددة

خطيب آخر لكنه من نوع خاص ، خطيب ليس أمام الحشد بل أثبت جدارته على المستوى الفردي ، فبحنجرته المرشوشة ببحة خاصة يُقنعك على المساهمة في إطعام الفُقرة ، بمجهوده الخاص استطاع ليس فقط الحفاظ على زاوية ملتقى شارع الشهداء وسيدي ابراهيم بل كذلك جعلها منطلق التجديد الذي ظهر في أحفير على مستوى التشبيب والأناشيد الدينية ... الله الله آسيدي عُمر



وسنكون جاحدين إذا لم نذكر في مجال الإلقاء المؤذن المرحوم العالمي * المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة إذا ألجم الناس العرق؛ جزاءَ ما رفعوا أصواتهم بذكر الله بحيث يسمعه القاصي والداني، ويشهد لهم يوم القيامة كل شيء سمع أذانهم في الدنيا
الأذان لغة هوالإعلام وشرعاً هو الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة
آذان العالمي كان بتثنية سائر الأذان مع الترجيع ، والترجيع: أن يأتي بالشهادتين مرتين، ثم يرجع مرة ثانية فيقولها ويمد بها صوته